ابن قيم الجوزية
252
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
إلا عذابا وأنهم خالدين فيها أبدا وما هم بخارجين من النار وما هم منها بمخرجين وأن اللّه حرم الجنة على الكافرين وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها وأن عذابها كان غراما أي مقيما لازما قالوا وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره ( الطريق الثالث ) أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار وأن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الإيمان ( الطريق الرابع ) أن الرسول وقفنا على ذلك وعلمناه من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقل معين كما علمنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها ( الطريق الخامس ) أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما لا يفنيان بل هما دائمتان وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع ( الطريق السادس ) أن العقل يقضي بخلود الكفار في النار وهذا مبني على قاعدة وهي أن المعاد وثواب النفوس المطيعة وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو مما يعلم بالعقل أو لا يعلم إلا بالسمع ؟ فيه طريقتان لنظار المسلمين وكثير منهم يذهب إلى أن ذلك يعلم بالعقل مع السمع كما دل عليه القرآن في غير موضع كإنكاره سبحانه على من زعم أنه يسوي بين الأبرار والفجار في المحيا والممات وعلى من زعم أنه خلق خلقه عبثا وأنهم إليه لا يرجعون وأنه يتركهم سدى أي لا يثيبهم ولا يعاقبهم وذلك يقدح في حكمته وكماله وأنه نسبه إلى ما لا يليق به وربما قرروه بأن النفوس البشرية باقية واعتقاداتها وصفاتها لازمة لها لا تفارقها وإن ندمت عليها لما رأت العذاب فلم تندم عليها لقبحها أو كراهة ربها لها بل لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أولا قال تعالى وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فهؤلاء قد ذاقوا العذاب وباشروه ولم يزل سببه ومقتضيه من نفوسهم بل خبثها وكفرها قائم بها لم يفارقها بحيث لو ردوا لعادوا كفارا كما كانوا وهذا يدل على أن دوام تعذيبهم يقضي به العقل كما جاء به السمع ، قال أصحاب الفناء الكلام على هذه الطرق يبين الصواب في هذه المسألة ( فأما الطريق الأول ) فالإجماع الذي ادعيتموه غير معلوم وإنما يظن الإجماع في هذه المسألة من لم يعرف النزاع وقد عرف النزاع فيها قديما وحديثا بل لو كلف مدعي